مجد الدين ابن الأثير
395
المختار من مناقب الأخيار
أحفظها عنك . قال : وتفعل ؟ قلت : نعم إن شاء اللّه . قال : لا تحبّ الدّنيا ، وعدّ الفقر غنى ، والبلاء من اللّه نعمة ، والمنع من اللّه عطاء ، والوحدة مع اللّه أنسا ، والذّلّ عزّا ، والطاعة حرفة ، والتوكّل معاشا ، واللّه تعالى لكلّ شديدة عدّة . ثم مكث بعد ذلك شهرا لا يكلّمني . فقلت : رحمك اللّه ، إنّي أريد الرّجوع إلى بلدي ، فإن رأيت أن تزيدني في الموعظة . فقال : اعلم أنّ الزّاهد في الدّنيا قوته ما وجد ، ومسكنه حيث أدرك ، ولباسه ما ستر ، والخلوة مجلسه ، والقرآن حديثه ، واللّه الجبّار العزيز أنيسه ، والذّكر رفيقه ، والصّمت جنّته « 1 » ، والخوف سجيّته ، والشّوق مطيّته ، والنّصيحة نهمته ، والصّبر وساده ، والصّدّيقون إخوانه ، والحكمة كلامه ، والعقل دليله ، والجوع أدمه ، والبكاء دأبه ، واللّه عدّته . قلت : بما تتبيّن الزّيادة من النّقصان ؟ قال : عند المحاسبة للنّفوس « 2 » . رحمة اللّه عليه ورضوانه ، آمين يا ربّ العالمين . * * * الغزو قال عبد اللّه بن قيس ، أبو أميّة الغفاريّ : كنّا في غزاة لنا ، فحضر عدوّهم ، فصيح في الناس ، فهم يثوبون إلى مصافّهم إذا رجل أمامي ، رأس فرسي عند عجز فرسه ، وهو يخاطب نفسه ويقول : أي نفس ، ألم أشهد مشهد كذا وكذا ؟ فقلت لي : أهلك وعيالك ؟ فأطعتك ورجعت « 3 » ؟ فو اللّه
--> ( 1 ) الجنّة : الوقاية ، والسترة . معجم متن اللغة ( ستر ) . ( 2 ) صفة الصفوة 4 / 338 . ( 3 ) في صفة الصفوة 4 / 421 تكرار لمخاطبته نفسه : « ألم أشهد مشهد كذا وكذا -